بعد سلسلة فضائح.. واشنطن تطلق رصاصة الرحمة على الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
29 مارس 2025مـ – 29 رمضان 1446هـ
أعلنت الإدارة الأمريكية، الجمعة، حلّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية – “USAID” رسمياً، وذلك بعد سلسلة فضائح طالت الوكالة منها تدخلها في تنظيم انقلابات في أمريكيا الجنوبية، وإثارة الحروب ودعم الجماعات التكفيرية في اليمن وأفغانستان.
وزعمت الإدارة الأمريكية أن حل الوكالة جاء في إطار التخفيضات الكبيرة لمساعدات الولايات المتحدة إلى الخارج والتي أثارت استياء كثير من البلدان والمنظمات الإنسانية.
وقال في بيان صادر عن وزير الخارجية، ماركو روبيو، إنّ “وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أبلغتا الكونغرس بنيّتهما خوض عملية إعادة تنظيم تقتضي نقل بعض مهام الوكالة إلى الوزارة بحلول الأول من يوليو 2025، وإلغاء مهام الوكالة الأخرى التي لا تتوافق مع أولويات الإدارة”.
وأضاف روبيو أنّ “يو أس آيد ابتعدت منذ زمن طويل للأسف عن مهمّتها الرئيسية”، مشدّداً على ضرورة “إعادة توجيه برامج المساعدة الخارجية لتتماشى مباشرة مع ما هو أفضل للولايات المتحدة ولمواطنيها”.
وندد ديمقراطيون في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بهذه الخطوة، قائلين إنّ إعادة التنظيم “لن تجعل من المستحيل تنفيذ أي من برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية فحسب، بل إنّ العبء الذي سيلقى على عاتق وزارة الخارجية سيتسبب بتعطيل كبير لمهمتها الأساسية”.
وكان الرئيس ترامب قد وقّع، بعيد عودته إلى البيت الأبيض، في 20 يناير الماضي، مرسوماً يأمر بتجميد المساعدة الأمريكية الأجنبية لمدّة 90 يوماً، استتبع بعدّة اقتطاعات في برامج مختلفة للوكالة، بالرغم من إعفاءات مرتبطة بالمساعدة الإنسانية الحيوية.
يذكر أن الميزانية السنوية للوكالة، التي تزعم واشنطن أنها مستقلة، تقدر ب42,8 مليار دولار تشكّل وحدها 42% من إجمالي إنفاق واشنطن الخارجي تحت مسمى المساعدات الإنسانية في العالم.
سلسلة فضائح
بعد أكثر من 50 عاما على عملها المشبوه حول العالم، الآن واشنطن تطلق رصاصة الرحمة لأداة النفوذ التوسعي الناعم للولايات المتحدة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية،USAID.
ويعود تاريخ تأسيس الوكالة الأمريكية USAID ، سيئة الصيت، إلى العام 1961 خلال محاولات الرئيس الديموقراطي جون كينيدي لمحاربة النفوذ السوفياتي في العالم النامي، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي كانت الوكالة الغطاء الإنساني لتدخل الولايات المتحدة في شؤون البلدان وتفكيكها من الداخل.
وفي فبراير الفائت أشارت وكالة “بلومبرغ” إلى أنّ الولايات المتحدة، هي “أكبر مانح في العالم، بحيث أنفقت نحو 68 مليار دولار على المساعدات الخارجية في عام 2023″، لكن إدارة ترامب “جمدت كل ذلك في غضون أسبوع من توليها منصبها”.
وأكدت ـ”بلومبرغ” أن المساعدات الخارجية كانت “وسيلة للولايات المتحدة لتأمين نفوذها”، فعلا سبيل المثال ففي صفقة أبرمت العام الماضي، “سمح الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن، للولايات المتحدة، بالوصول إلى 4 منشآت عسكرية إضافية في الدولة الجزيرة”، وموّلت الوكالة أيضاً، مشاريع بالقرب من المواقع في محاولة لكسب الرأي العام المحلي، لكن هذه المشاريع “أصبحت الآن في خطر” بسبب إغلاق الوكالة.
دور مشبوه وفضائح لا تنتهي
وبعد عقود من إنشائها اعترفت الولايات المتحدة بشكل رسمي، هذا الأسبوع، بأن ما تسمى “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” لم تكن سوى “منظمة إجرامية” لا علاقة لها بالعمل الإنساني التي كانت تستخدمه كغطاء، في فضيحة مدوية تعيد تسليط الضوء على حقيقة الأنشطة المشبوهة التي تقوم بها مختلف الوكالات والمنظمات الأمريكية والغربية تحت غطاء العناوين الإنسانية.
وجاء التأكيد على لسان وزير الكفاءة الحكومية ورجل الأعمال الأمريكي الشهير، إيلون ماسك، الذي فضح في سلسلة تدوينات على منصة “إكس” حقيقة الدور الذي تقوم به الوكالة، حَيثُ كتب، في فبراير الفائت، أن “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وباستخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين مَوَّلت أبحاث الأسلحة البيولوجية، بما في ذلك (كوفيد-19)، التي قتلت الملايين من الناس”.
ووصف ماسك الوكالة بأنها “منظمة إجرامية، وآن الأوان لتموت” مُشيرًا إلى أنها “تدفع أموالًا لمنظمات إعلامية؛ مِن أجلِ ترويج دعايتها”.
وشارك ماسك حقائق نشرها المدير التنفيذي لمؤسّسة “الحرية على الإنترنت” مايك بنز، جاء فيها أن “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تأمر المنظمات الإعلامية في مختلف أنحاء العالم بالاتّفاق على سياسات الصمت الاستراتيجي؛ مِن أجلِ فرض الرقابة الجماعية على السرديات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي” وأنها “تدير برنامجًا عالميًّا للرقابة على الإنترنت، يجمع بين مئات المنظمات غير الحكومية المعنية بالرقابة في شبكة مشتركة، مع تحديد الهدف المعلن الصريح للبرنامج من خلال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للضغط على الحكومات الأجنبية لتمرير القوانين واللوائح اللازمة للرقابة على الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي”.
ومن ضمن الحقائق التي تحدث عنها “بنز” وشاركها “إيلون ماسك” أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قامت بإنشاء “هياكل سيطرة سياسية على المجتمعات” وأنها تقوم بعمل وكالة المخابرات المركزية (سي آي أيه).
وقال بنز أَيْـضًا إن: “الوكالة كانت تمول إنتاج الهيروين في أفغانستان” وأن شريكها “المعهد الأمريكي للسلام” قام بـ”الضغط؛ مِن أجلِ أن تحافظ طالبان على تدفق 95 % من إمدَادات الهيروين في العالم، بينما يأخذ 56 مليون دولار من دافعي الضرائب الأمريكيين سنويًّا”.
تمويل الانقلاب في فنزويلا
وهذا الأسبوع، كشفت الولايات المتحدة عن فساد وكالة التنمية الأمريكية التي قدمته لزعماء الانقلاب في فنزويلا حيث مولتهم بنحو 568 مليون دولار للانقلاب على الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، لكن قادة الانقلاب صرفوا المبالغ على تمويل حياتها الفاخرة.
وكشفت ملفات لسفارة الولايات المتحدة الأمريكية في فنزويلا، أنّ ممثّل قائد الانقلاب والذي أسمته برئيس المعارضة الفنزويلية في واشنطن، الهارب من العدالة كارلوس فيكيو، حصل على 116 مليون دولار من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عندما تولّى منصب السفير في واشنطن، لحكومة الانقلاب آنذاك من جانب واحد من قبل رئيس خوان غوايدو.
ووفقاً لهذه الملفات، فقد تمّ منح الأموال من قبل مارك غرين، الذي كان مدير وكالة المساعدة الأميركية (USAID) منذ عام 2017، والهدف منها تسخيرها للإطاحة بحكومة الرئيس نيكولاس مادورو.
وقدّمت الوكالة الأمريكية – بحسب ملفات السفارة الأمريكية – بالمجمل نحو 568 مليون دولار للمنظّمات غير الحكومية تحت ذريعة “المساعدات الإنسانية والإنمائية”، سواء للأشخاص الذين يعيشون داخل الأراضي الفنزويلية أو للمهاجرين من المنطقة بأكملها.
وأشارت المعلومات التي تضمّنتها هذه الملفات إلى أنّ عائلة المعارض الفنزويلي لوبيز تينتوري، التي تلقّت ما لا يقلّ عن 256 مليون دولار من الوكالة الأمريكية (USAID) صرفتها على حياتها الفاخرة في إسبانيا، بدلاً من استخدامها لإطاحة حكومة مادورو، مشيرةً (الملفات) إلى أنّ زعماء آخرين للمعارضة، مثل قائد الانقلاب خوان غوايدو، وخوليو بورغيس، حصلا على 98 مليون دولار و52 مليون دولار لكلّ منهما على التوالي.
دعم الجماعات التكفيرية وتخريب الاقتصاد اليمني
وخلال سنوات العدوان السعودي الأمريكي، وفي فضيحة مدوية عثرت الأجهزة الأمنية اليمنية على مساعدات وأسلحة مقدمة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “USAID” لدى جماعات تكفيرية مسلحة من “القاعدة وداعش” في مناطق بالبيضاء حررها الجيش اليمني، وقد وثقت مشاهد للإعلام اليمني في عام 2020 العثور على مخازن أسلحة تابعة للتكفيريين في محافظة البيضاء كانت تحمل شعار الوكالة الأمريكية.
وأكّـد المتحدث باسم القوات المسلحة العميد يحيى سريع آنذاك أن “الوكالة تمارس أدوارًا استخبارية بشعارات إنسانية”.
وفي 2021 أَيْـضًا عثرت القوات المسلحة على مخازن أسلحة مماثلة تابعة للتكفيريين في محافظة مأرب وكان عليها شعار الوكالة الأمريكية.
ولم يقتصر النشاط الإجرامي للوكالة في اليمن على دعم التنظيمات التكفيرية بالسلاح، بل انخرطت أَيْـضًا وبشكل مباشر وواسع في مسار الحرب الاقتصادية على اليمن، من خلال عقد اتّفاقيات مشبوهة مع البنك المركزي الذي تديره حكومة المرتزِقة في عدن؛ مِن أجلِ السيطرة على كُـلّ عملياته واستخدامه كسلاح للضغط على الشعب اليمني والسلطة الوطنية.
وكان من أبرز مظاهر انخراط الوكالة الأمريكية في الحرب الاقتصادية ضد الشعب اليمني، القرارات العدوانية التي اتخذتها حكومة المرتزِقة بدعم سعوديّ أمريكي العام الماضي، لاستهداف البنوك والمصارف التجارية العاملة في المناطق الحرة؛ مِن أجلِ ابتزاز صنعاء ودفعها لوقف العمليات المساندة لغزة، حَيثُ جاءت هذه القرارات ضمن برنامج عمل شاركت فيه الوكالة الأمريكية بشكل معلَن، حَيثُ كانت قد قامت بتصميم نظام رقابة على التحويلات المالية الخارجية إلى المناطق الحرة؛ مِن أجلِ فرض قيود عليها تحت مظلة قرار التصنيف الذي اتخذته إدارة بايدن ضد حركة “أنصار الله”.
وانخرطت الوكالة الأمريكية أَيْـضًا في العديد من الأنشطة العدوانية ضد اليمن على المستوى الإعلامي، حَيثُ مولت عدة مشاريع لتوجيه الرأي العام وفرض سرديات داعمة للعدوان الأمريكي السعوديّ على اليمن، وتشويه السلطة الوطنية والقوات المسلحة اليمنية، تحت غطاء مِنصات إعلامية ومراكز أبحاث ومنظمات حقوقية، وذلك بالتوازي مع أنشطة استخباراتية تحت نفس الغطاء، وهو نشاط تؤكّـده الحقائق التي شاركها “إيلون ماسك” هذا الأسبوع أنها كانت ضمن أجندة الوكالة على مستوى عالمي، وليس في اليمن فحسب.
وكان ضبط خلية التجسس الأمريكية والإسرائيلية في اليمن قبل أشهر قد سلّط الكثير من الضوء على أنشطة عدوانية مارستها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على مدى سنوات طويلة في اليمن، بما في ذلك استهداف القطاع الزراعي والقطاع التعليمي بشكل مباشر.
ومن شأن هذه الفضيحة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن تسلِّطَ المزيدَ من الضوء على الأدوار المشبوهة التي تلعبها كياناتٌ ومنظمات غربية وأمريكية مشابهة تتخذ من العمل الإنساني والحقوقي غطاءً لأنشطة عدوانية، وهو أَيْـضًا ما سبق كشفُه من قِبَلِ اليمن.